«لا بأس أن نحلم». هكذا فكرت يارا بطاينة، الكاتبة والمحررة في قسم «الديمقراطية في المنفى» التابع لمنظمة «داون»، وهي تشاهد المنتخب المصري يسجل هدفه الثاني أمام الأرجنتين في دور الـ16 من كأس العالم 2026. ومنذ صافرة البداية، بدا اللقاء مشحونًا بالتوتر، فيما تصاعد قلقها مع سلسلة من القرارات التحكيمية المتباينة التي جاءت في غير صالح المنتخب المصري.
سرعان ما تحولت مشاعر القلق إلى إحباط. فقد تعرض لاعبو مصر للعرقلة والدفع وحتى الضرب في الوجه من جانب لاعبي الأرجنتين، بينما لم يطلق الحكم صافرته. ورغم الإحباط، ظلت بطاينة تردد لنفسها: «لا بأس أن نحلم». وللحظات، بدا الحلم ممكنًا، قبل أن يطلق الحكم صافرته ويلغي هدف مصر. وتحولت أجواء الملعب من الأمل إلى الذهول، بعدما كان يفترض أن تشكل تلك اللحظة نقطة تحول، فإذا بها تصبح قرارًا آخر عزز الشعور بأن المباراة تنزلق بعيدًا عن أيدي اللاعبين لأسباب تتجاوز قدرتهم على التحكم فيها.
لكن مصر سرعان ما سجلت هدفًا آخر، فأعادت الأمل مؤقتًا. ثم جاءت لحظة فارقة أخرى عندما أسقط لاعبو الأرجنتين محمد صلاح داخل منطقة الجزاء، من دون أن يحتسب الحكم ركلة جزاء أو يجري مراجعة مؤثرة عبر تقنية حكم الفيديو المساعد «VAR». وأعقب تلك الواقعة مباشرة تسجيل الأرجنتين هدف الفوز. وهكذا بدت القرارات واضحة وحاسمة في جانب، بينما أصبحت شديدة التعقيد في الجانب الآخر، ما عزز ما اعتبره كثيرون لاحقًا ازدواجية واضحة في المعايير.
احتجاج حسام حسن يفتح بابًا على العنصرية ضد العرب
احتج حسام حسن، المدير الفني للمنتخب المصري، على القرارات التحكيمية من خلال وضع ذراعيه في إشارة «X». وكانت «فيفا» قد طرحت هذه الإشارة في مايو 2024 لإتاحة المجال أمام المنتخبات للإبلاغ عن العنصرية والمطالبة باتخاذ إجراءات حيالها، إذ ينص البروتوكول على إيقاف المباراة والتعامل مع الادعاء. لكن استخدام مصر للإشارة لم يحظَ بالتعامل الجاد، إذ قوبلت احتجاجات الفريق بإشهار بطاقة صفراء في وجه حسام حسن بسبب اعتراضه على الحكم. وعكست هذه اللحظة، بحسب بطاينة، جانبًا من المعاناة الأوسع التي يواجهها العرب، بما في ذلك تجارب العنصرية المعادية للعرب.
وتقول الكاتبة إن الفرق الأوروبية هيمنت على كرة القدم لفترة طويلة، لأسباب ترتبط بعمق بالتاريخ الاستعماري أكثر مما ترتبط بتفوقها في التدريب أو الموهبة. فقد أسهم ذلك التاريخ في تركيز الثروة والبنية التحتية الرياضية داخل أوروبا، إلى جانب إنشاء شبكات للهجرة لا تزال تدفع بالمواهب من الدول التي كانت مستعمرات سابقة نحو الأندية والمنتخبات الأوروبية.
وترى بطاينة أن هذا النمط يمثل شكلًا من أشكال الاستغلال الاستعماري الجديد، إذ تستفيد الدول الأكثر ثراءً من استقطاب المواهب من البلدان التي خضعت للاستعمار سابقًا، وهي ديناميكية امتدت طويلًا إلى استغلال الموارد، وأسهمت في إفقار دول حول العالم وتعميق أوجه عدم المساواة.
وتضيف أن العرب والأفارقة شعروا طويلًا بالتهميش في واقع كرة القدم ما بعد الاستعمار، لكن هذا المشهد بدأ يتغير مؤخرًا. فقد غيّر وصول المغرب إلى نصف نهائي كأس العالم 2022، إلى جانب مشاركة عدد قياسي من المنتخبات العربية في البطولة الحالية، شيئًا أعمق في الوعي الجماعي. وللمرة الأولى، شعر كثيرون بأنهم لا يشاهدون المباراة من خارج المشهد، بل أصبحوا جزءًا منه.
ورغم الاستغلال الاستعماري الذي استنزف الثروات والموارد، وعقود من ضعف الاستثمار في منظومات كرة القدم والبنية التحتية الرياضية، فضلًا عن القمع السياسي الذي حد من الفرص أمام أجيال متعاقبة، وصلت هذه المنتخبات إلى البطولة وحققت حضورها.
انتصارات مصر توحّد الجماهير العربية وتعيد التضامن الإقليمي
احتفل العرب في أنحاء المنطقة بانتصارات المنتخب المصري. ففي غزة، تجمع الناس في ساحات مشاهدة جماعية وهتفوا للمنتخب، بينما أضاءت الألعاب النارية سماء طرابلس وبنغازي في ليبيا بعد تأهل مصر إلى دور الـ16. كما تجمع مشجعون في الكويت لمتابعة المباريات، وخرج آخرون إلى شوارع لبنان وهم يلوحون بالعلمَين المصري واللبناني، في مشهد عكس وحدة المشاعر والدعم.
وكشف هذا المشهد حدود النظام ما بعد الاستعماري الذي سعى إلى تحويل منطقة مترابطة إلى دول منفصلة تفصل بينها الحدود والهويات المتنافسة. فعلى الرغم من عقود من بناء الدول والتجزئة السياسية، لم تستطع هذه التحولات محو التاريخ المشترك وروابط التضامن التي لا تزال تجمع العالم العربي.
وبعد انتهاء المباراة، أدركت بطاينة أنها لم تكن وحدها في هذا الشعور، إذ تقاسم كثيرون ممن تابعوا اللقاء مشاعر الغضب والإحباط والإحساس بالظلم. ولم يقتصر التعبير عن هذا الغضب على المنطقة وسكانها، بل انتقد كثيرون الجدل الذي أحاط بالمباراة وطريقة التعامل مع لاعبي المنتخب المصري.
وانتقد قائد منتخب إنجلترا السابق آلان شيرر والمهاجم السابق لأرسنال إيان رايت التطبيق غير المتسق لتقنية حكم الفيديو المساعد، معتبرين أن مطالبة محمد صلاح بركلة جزاء كانت تستحق التدقيق نفسه الذي خضع له هدف مصر الملغى. كما وصف ديل جونسون، مراسل «بي بي سي سبورت»، القرار بأنه غير متسق مع معايير التحكيم في البطولة. وامتدت الانتقادات إلى عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني، الذي قال إن مصر «تعرضت للسرقة».
لكن ازدواجية المعايير، بحسب بطاينة، لم تقتصر على أحداث المباراة. فقد انتشرت قبل انطلاق اللقاء مقاطع فيديو عبر الإنترنت تظهر خضوع مشجعين مصريين لتفتيش إضافي، في حين دخل مشجعون أرجنتينيون إلى الملعب من دون الخضوع لإجراءات التفتيش نفسها بشكل واضح، ما أثار اتهامات بالتنميط والتمييز.
من كرة القدم إلى السياسة: من يملك حق الحلم والعدالة؟
لم ينظر كثير من العرب إلى ما تعرضت له مصر باعتباره واقعة معزولة، بل رأوا فيه انعكاسًا لتجربة أوسع من العنصرية المعادية للعرب والإسلاموفوبيا، التي غالبًا ما تختزل العرب في سرديات الصراع، بدلًا من الاعتراف بمواهبهم وثقافتهم وإنجازاتهم. وفي هذا السياق، أثارت الأزمة المحيطة بمباراة مصر أسئلة أعمق حول من تُصدَّق روايته، ومن تُؤخذ مطالبه على محمل الجد.
وعندما طالب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب «فيفا» بمراجعة عقوبة لاعب المنتخب الأمريكي فولارين بالوغون، تراجع الاتحاد سريعًا عن قراره، ما أتاح للاعب المشاركة. وترى الكاتبة أن هذه الواقعة أظهرت بوضوح مدى سهولة إعادة تفسير القواعد أو تجاوزها، بحيث يحصل البعض على معاملة تفضيلية بينما يعاقب آخرون، في انعكاس للثقة التي يتدخل بها أصحاب النفوذ لفرض إرادتهم.
وظهر هذا النمط أيضًا في حالات أخرى. فقد واجه المنتخب الإيراني تحديات كبيرة خارج الملعب خلال البطولة، من بينها قيود السفر ومشكلات التأشيرات التي فرضتها الولايات المتحدة وأثرت في استعدادات الفريق. واضطر المنتخب إلى العودة إلى معسكره في المكسيك مباشرة بعد مباراة خاضها في لوس أنجلوس بدلًا من البقاء لإجراء جلسة استشفاء كانت مقررة، كما مُنع 11 عضوًا من الجهاز الفني والإداري الإيراني من دخول الولايات المتحدة. وألغى الاتحاد الإيراني لكرة القدم أيضًا حصة التذاكر المخصصة لمشجعيه قبل البطولة بفترة قصيرة، ما حرم كثيرًا من المشجعين من حضور المباريات.
وتشير بطاينة إلى أن المنتخبات واللاعبين والمشجعين العرب والمسلمين واجهوا بدورهم معاملة غير متكافئة، ولا سيما في الولايات المتحدة، في ظل سياسات تأشيرات تقييدية وتكاليف مرتفعة وعمليات احتجاز ومنع من الدخول. كما مُنع الحكم الصومالي عمر أرتان من حضور البطولة، رغم مؤهلاته وخضوعه لسنوات من إجراءات التدقيق التابعة لـ«فيفا».
قد يغيب مشهد خسارة مصر عن الذاكرة بمرور الوقت، لكن الأسئلة التي أثارتها لن تختفي بالسهولة نفسها. فما زالت المؤسسات التي تدير اللعبة الأكثر شعبية في العالم تعكس، بحسب الكاتبة، التوزيع غير المتكافئ للقوة الذي يحكم السياسة الدولية. وتستدعي الدول القوية مبادئ عالمية بصورة متكررة، لكنها تضع استثناءات لحلفائها، ما يعزز الاعتقاد بأن العدالة تتوقف على هوية الطرف الذي تحميه القواعد.
وتخلص بطاينة إلى أن هزيمة مصر لم تكن مجرد خسارة في كرة القدم، بل عكست عالمًا تحدد فيه القوة النتائج في كثير من الأحيان. وتقول إن «لا بأس أن نحلم»، لكنها تؤكد أن الأحلام وحدها لا تكفي، فحتى تطبق القواعد نفسها على الجميع، سيظل السؤال قائمًا في كرة القدم وخارجها: من يحصل على فرصة لصالحه؟ ومن ينال العدالة؟ ومن يحصل على الامتيازات؟ ومن يُترك ليلعب وفق قواعد يستطيع آخرون إعادة كتابتها متى أرادوا؟
https://dawnmena.org/itsok-to-dream-how-egypts-world-cup-run-reminded-a-region-of-solidarity-and-double-standards/

